منتديات همس المشاعر
عزيزي الزائر / عزيزتي الزائرة يرجي التكرم بتسجبل الدخول اذا كنت عضو معنا
او التسجيل ان لم تكن عضو وترغب في الانضمام الي اسرة المنتدي
سنتشرف بتسجيلك
شكرا
ادارة
المنتدي



 
الرئيسيةس .و .جبحـثالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 مصحــة الدكتــور أنطــوان (( قصة جديدة لدكتور أحمد خالد توفيق ))

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
المدير العام

avatar

ذكر
البلد :
المزاج :
المهنه :
هوايه :
رسالهsms I WANT TO GIVE
عدد الرسائل : 2340
نقاط : 8688

مُساهمةموضوع: مصحــة الدكتــور أنطــوان (( قصة جديدة لدكتور أحمد خالد توفيق ))    الأحد 29 أغسطس 2010 - 20:08


مصحـــــة الدكتــــــور أنطـــــوان



د/ أحمد خالد توفيق




================



(( 1 ))








نعم.. هي تقع في منطقة جميلة جداً خارج القاهرة، والطريق إليها يوحي بأنك
في بلد غربي ما.. الخضرة في كل مكان والورود مع الهواء النقي.. كل شيء
معقّم.. كل شيء نظيف.. هناك من بحث بمجهر عن أي شيء يوتّر النفس أو يُرهق
الأعصاب، وقام بنزعه بعناية.



المشكلة أن هذا بالضبط هو ما يجعل المكان لا يُطاق..



لا أحد يشعر بالراحة في غرفة الجراحة.. إنها المكان الأنظف والأكثر تعقيماً
بلا شك؛ لكن هذا بالذات يُشعرك بالتوتّر والاختناق.. لا بد من درجة ما من
الفوضى والصخَب والتلوّث حتى تشعر بأنك حي وسط أحياء.. تذكر أنهم يبتلعون
البكتريا ابتلاعاً في العالم المتقدم حتى يقللوا من سرطان الجهاز الهضمي..
لقد اكتشفوا أن قنواتهم الهضمية معقمة أكثر من اللازم، وهذا -ويا للعجب-
أخلّ بتوازن الخلايا وجعلها مستعدة للإصابة بالسرطان.. لا بد من بعض التلوث
الصحي.. هذه هي الحقيقة.



نعم.. المصحّة جميلة جداً ونظيفة جداً..



هذا المدخل قد اجتازته سيارة أكثر من مليونير وأكثر من ممثلة سينما أرهقتها
الأضواء، وأكثر من مسئول جاء سراً ليتلقى علاجاً ضد الإدمان.



اللافتة الكبيرة تقول "مصحّة الدكتور أنطوان".. اسم هو نار على علم
بالتأكيد. الدكتور أنطوان نفسه من أصل لبناني؛ لكنه يعيش في مصر منذ دهور،
وأعتقد أنه مُسن جداً.



على البوابة الحديدية يقف رجل الأمن ينظر لنا في شك..



أخرجت "نادية" الكارنيه الصحفي والخطاب، ففتح الرجل البوابة وقرأ الاثنين، ثم فتح الباب دون كلمة..



انطلقت السيارة وسط ممرّ أكثر جمالاً.. الزهور معتنى بها فعلاً، وهناك نافورة أنيقة على شكل سمكة عملاقة تُفرغ الماء من فمها.



قالت "نادية" وهي تنظر في فضول:



- "لا يوجد مجانين.. ألم تلحظ هذا؟"



قلت في ضيق:



- "لسنا في فيلم لإسماعيل يس هنا.. لا يجب أن تري جنرال نابليون محاطاً بجنوده.."



ألم أحدّثك عن "نادية"؟.. يصعب أن تتصور أن أوجد مع "نادية" في مكان واحد؛
إلا لو تصورت أن يتواجد النمس والثعبان في مكان واحد أو القط والفأر.. لو
كانت هناك كيمياء بين الأرواح فعلاً؛ فنحن لا نملك ذرة منها..



"نادية" في الخامسة والثلاثين، غير متزوجة، على قدر من الجمال؛ لكنها تؤمن
أن الرجال مجموعة من الخنازير ضيقة الأفق، الذكي بين الرجال صار وغداً، أما
باقي الرجال فلا خير يرجى منهم، ومن الأفضل تجاهلهم أو إشعارهم بعدم
الراحة.



أنا أصغر سناً منها؛ لهذا يحلو لها أن تُعاملني كطفل أخرق.. وهكذا تعطي
نفسها حرية أن تعلّق على تصرفاتي وتنصحني وتنتقدني أمام الناس.. لذا أردّ
ردوداً سمجة.. الخلاصة أن رئيس التحرير عندما جعلنا نقوم بهذه المهمة معاً
كان يعذّبنا.. بصراحة، أُفَضّل أن أكون مع حية ذات أجراس على أن أكون مع
"نادية" لمدة أسبوع..



على الباب كانت هناك تلك السكرتيرة.. ليست حسناء؛ لكنها موحية بالثقة كأنها
معلمة واسعة الخبرة.. كيف عرفت بقدومنا؟.. بالتأكيد رجل الأمن على
البوابة..



هزّت رأسها محيية وقالت بلهجة عملية:



- "الأستاذة "نادية شاكر" والأستاذ "عصام عبد اللطيف"... جريدة "الحدث"... أنتظركما.. الدكتور أنطوان يعرف بقدومكما كذلك.. مرحباً".



غرفة د. "أنطوان" تقع في نهاية ممر رطب معقّم بدوره يزدان بالتماثيل على
الجانبين.. هناك جهاز تليفزيون في الردهة، والعلامة الوحيدة على طبيعة
المصحة هي أن التليفزيون موضوع على رفٍّ عالٍ..



فتحت الباب وأعلنت عن قدومنا فجاء صوت من الداخل يرحب بنا..







والآن أقدم لك د. "أنطوان"، أشهر اسم في عالم المصحّات النفسية في مصر حالياً..



إنه مسنّ جداً بالفعل.. هناك درجة من الشيخوخة تجعل كل شيء في الرجل أزرق،
لون عينيه، الأوردة الكثيرة على ظهر يديه، أظفاره.. يداه بالذات كانتا
غريبتين بجلدهما شبه المدبوغ المشدود على العظام.. هناك مرض روماتيزمي يعطي
هذا المنظر؛ لكن لا أذكر اسمه للأسف.. حتى بذلته كانت زرقاء وربطة عنقه
مثلها؛ مما أعطاه طابعاً أزرق شاملاً..



بصوت مرتجف واهن ولُكْنَة أجنبية واضحة رحّب بنا..



- "عرفت أنكما ستُمضيان أسبوعاً هنا، لجمع القصص الغريبة.. إن "زيدان" صديق
قديم، لهذا لم أستطع رفض طلبه هذا.. لكن أصارحكما أنني لا أقبل أي طلب
مماثل من أي واحد آخر".



"زيدان"؟.. آه.. رئيس التحرير "محمود زيدان".. نحن لا نناديه بهذه الطريقة- لهذا لم أستوعب أولاً..



قلت في كياسة وأنا أمدّ يدي لعلبة التبغ:



- "نحن نشكرك كثيراً على هذا الكرم.. من المعروف أن اسم المصحة سيرد في التحقيق مراراً، وبهذا نمنحها نوعاً من الدعاية"



- تؤ.. تؤ..



لمحت الاستنكار على وجهه فنظرت له في غير فهم.. رفع إصبعاً مرتجفاً وقال:



- "هذه مصحّة نفسية.. التدخين ممنوع منعاً باتاً.."



أعدت العلبة لجيبي في ضيق.. سوف يكون تحمّل هذا صعباً لأسبوع كامل؛ لكني سأدخن في غرفتي كثيراً جداً.. أعرف هذا يقيناً..



عاد يقول:



- "نحن لا نريد هذه الدعاية لأن اسمنا براق بما يكفي.. لكني أرغب فعلاً في قراءة ما ستكتبان.. أريد عيناً أخرى..."



ثم دق الجرس الذي أمامه وقال:



-"سوف تذهبان الآن إلى غرفتيكما.. ثم يقوم د. "سمير" بإخباركما بخطة العمل العامة..".



ثم اتّسعت عيناه الزرقاوان وقال بصوت كالفحيح:



- "ثمة أمور خطرة سوف تعرفان عنها في وقتها.. لكن تذكّرا أن هذا المكان ليس
آمناً جداً.. خذا الحذر.. هذا ما أستطيع قوله في الوقت الحالي!"

_________________
مدير منتديات همس المشاعر

يا قارئ خطي لا تبكي على موتي .. فاليوم أنا معك وغدا في التراب .. فإن عشت
فإني معك وإن مت فتبقى الذكرى .. ويا مارا على قبري لا تتعجب من أمري ..
بالأمس كنت معك وغدا أنت معي .. أموت ويبقى كل ما كتبه ذكرى . فيا ليت كل
من قرأ خطي دعا لي

 

 
[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]


عدل سابقا من قبل المدير العام في الأحد 29 أغسطس 2010 - 20:20 عدل 1 مرات
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
المدير العام

avatar

ذكر
البلد :
المزاج :
المهنه :
هوايه :
رسالهsms I WANT TO GIVE
عدد الرسائل : 2340
نقاط : 8688

مُساهمةموضوع: رد: مصحــة الدكتــور أنطــوان (( قصة جديدة لدكتور أحمد خالد توفيق ))    الأحد 29 أغسطس 2010 - 20:09

مصحة دكتور أنطوان (( 2 ))



د/ أحمد خالد توفيق




=================










اسمه "مصطفى الصاوي"..




في الأربعين من عمره، وقد بدأ الشعر يتراجع عن مقدمة رأسه.. له عينان
جاحظتان اعتدت أن أربطهما بالجنون. هناك يجلس في تلك الغرفة الشبيهة
بالزنزانة.. ليست مبطّنة كما توقّعت؛ لكنه مقيّد بسلسلة إلى الجدار، ويتربع
على الفراش كقرد.




هزني منظره.. فيه شيء غير إنساني يبعث القشعريرة في النفس، وأنا لم أرَ إنساناً مقيّداً بسلسلة من قبل.




قال "د. مراد" الطبيب الشاب ذو الشعر الثائر:




- "مصطفى الصاوي.. اضطراب ثنائي القطبية مصحوب بميول عدوانية شديدة.. لقد
هشّم رأس زوجته، ثم أتبع ذلك بأطفاله.. في العادة لا يرسلون لنا حالات بهذه
الخطورة؛ لكنه من أسرة ثرية ذات نفوذ.. وقد أحضروه هنا.. نحن نتعامل معه
بحذر شديد".




ثم أضاف بلهجة حازمة:




- "طبعاً أنت مسئول مسئولية كاملة عن أسرار المرضى.. لا أسماء من أي نوع،
ولا حروف أولى يمكن تخمينها.. لو وصفت حالته فلتقل (أحد المرضى).."




ثم أشار لي محذّراً وقال:




- "لا صور طبعاً.."




هنا تدخلت نادية في حدة كعادتها:




- "لحظة.. ما تأثير الكلام عن المريض بهذه العبارات الواضحة أمامه؟.. أليس هذا حمقاً؟"




قال الطبيب في مقت واضح:




- "لا تحسبي أننا لم نفكر في هذا، ومعلوماتنا أنه لا يفهم ما نقول.."




نظرتْ لي عينا مصطفى الجاحظتان وفتح فمه وارتجفت شفته السفلى.. ثم أدار ظهره لنا..




في خطوات ثابتة غادر الطبيب الزنزانة.. ومشى في الردهة قاصداً زنزانة أخرى..




كان هناك ممرض ضخم الجثة أدار المفتاح في الباب.. لا توجد كوّة ترى منها المريض كالتي نراها في السينما..




الغرفة كانت مظلمة.. هناك فراش وهناك مكتب صغير تجلس إليه امرأة.. امرأة في
الثلاثين من عمرها نكشت شعرها تماماً.. يستحيل أن تعرف إن كانت جميلة أم
قبيحة، يكفيك فخراً أن تعرف أنها امرأة.. وكانت تكتب في ورقة بلا توقّف..
ثمة قط صغير يغفو على الفراش..




نظرتُ إلى الورقة المقلوبة فرأيت كتابة بخط لا يُقرأ:




- "ساعدوني ساعدوني ساعدوني ساعدوني ساعدوني ساعدوني"




كتابة صغيرة متراصّة توحي لك بأنها نقش أو زخرفة.. قال الطبيب الشاب بلهجة لا مبالية:




- "مدام "عفاف".. حالة بارانويا متقدمة.. تؤمن أن كل الناس يريدون قتلها،
وأن رئيس الولايات المتحدة أرسل من يدسّ لها السم.. السبب أنها وصلت لسرّ
القنبلة السينية.. القنبلة التي يمكن أن تمحو قارة من الوجود..".




ثم مال على المريضة وسألها:




- "مدام عفاف.. هل تركيب القنبلة معك هنا؟"




نظرت له في رعب ولم تقل شيئاً..




قال وهو يشير إلى القط النائم:




- "لا نحتفظ بحيوانات هنا؛ لكننا مرغمون على ذلك لأنها لا تأكل إلا بعد أن
يأكل القط.. تُطعمه شيئاً من الطعام ثم تنتظر.. في كل مرة تتوقع أن يموت
لكن هذا لم يحدث"




وغادر الزنزانة فخرجنا معه، قالت نادية وقد بدا أن مرض الأنثى هزّها بقوة..
هي ترحّب دائماً بجنون الرجل لأنها تعتبر الرجال مجانين أصلاً:




- "على قدر ما أرى هي ليست خطيرة..".




قال الطبيب بلا مبالاة:




- "لقد خنقت شقيقتها التي كانت تقيم معها أثناء نومها.. هل هذا خطير بما
يكفي؟.. يمكن في أية لحظة أن تعتبرك عميلاً للمخابرات المركزية..".




ثم مشى في الردهة؛ فنظرتُ في توتر إلى نادية لأرى إن كانت تشاركني مشاعر
التوتر.. بالطبع لم تنظر لي ولم تلتقِ عينانا قط.. تلاقي العينين يتطلب
حداً أدنى من التفاهم بين الروحين.




اتجه الطبيب إلى غرفة ثالثة.. ثم غيّر رأيه فتجاوزها.. بعد غرفتين أخريين
أشار إلى الممرض المخيف فأدار المفتاح في القفل.. فانبعثت رائحة لا تطاق
كأنه قفص الأسود.










بالداخل كان المنظر مروعاً لأن هناك فتاة تقف في ركن القاعة وقد قُيدت
بسلسلة إلى قطعة حديد بارزة، وقد تمزقت ثيابها واستندت إلى الجدار.. تلهث
كالوحوش بلا توقف.. حولها غابة من الفضلات البشرية.. إنها وحش بلا زيادة
ولا نقصان.. عينان مجنونتان مسعورتان.. عصبية بالغة.. لعاب يسيل من الفم..




ورأيت الممرض يتقدمنا وهو يخرج من جيبه جهازاً صغيراً.. قدرت أنه صاعق
كهربي أو Taser مما يستعمل للدفاع عن النفس.. هذا الثور يريد الدفاع عن
نفسه بأداة فلا بد أن الأمر خطير..




قال الطبيب الشاب وهو لا يبعد عينيه عن الفتاة:




- "هنا الجنون الرسمي.. سكيزوفرنيا متقدمة، أدت إلى أن اعتبرت الفتاة نفسها نمراً.. يمكن أن تنقضّ على أي واحد لتمزق عنقه..".




هنا صاحت "نادية" في عصبية:




- "هذه طريقة غير بشرية.. على الأقل يمكنكم تنظيف فضلاتها..".




قال الطبيب في هدوء:




- "نحن نفعل ذلك كلما سنحت الفرصة؛ لكنه يستدعي تخديرها بطلقة منوّمة على
شكل Dart أولاً.. لقد هاجمت عاملة نظافة عندنا منذ عام، ولم يكن المنظر
جميلاً..".




كنت أنا قد قرأت عن حالات التصوّر الذئبي (لايكا أنثروبي) عندما يعتقد
المريض أنه ذئب؛ لكن لم أسمع موضوع النمر هذا.. المشهد ملأني رجفة..




الغرفة التالية كان فيها "سامي"..




رجل نحيل أصلع ضئيل الجسد يذكرك بـ"وودي ألين" كثيراً.. يجلس أمام رقعة الشطرنج للأبد ويلعب مباراة أبدية مع نفسه..




- "محاسب في الخمسين من عمره.. اكتشف أن زوجته تخونه مع أقرب صديق له.. من حينها يلعب الشطرنج بلا توقّف..".




قالت نادية:




- "لا يبدو مبرراً لوضعه هنا كما أتصور".




- "عندما يجد نفسه في وضع (كش ملك)، يُغمد سكيناً في عنق أي شخص يراه!.. ثم يبدأ مباراة جديدة".




نظرت للرقعة وحمدتُ الله على أن ملكه يبدو آمناً..




قلت للطبيب الشاب:




- "هل المصحّة لا تضم إلا هذه الحالات المخيفة؟"

_________________
مدير منتديات همس المشاعر

يا قارئ خطي لا تبكي على موتي .. فاليوم أنا معك وغدا في التراب .. فإن عشت
فإني معك وإن مت فتبقى الذكرى .. ويا مارا على قبري لا تتعجب من أمري ..
بالأمس كنت معك وغدا أنت معي .. أموت ويبقى كل ما كتبه ذكرى . فيا ليت كل
من قرأ خطي دعا لي

 

 
[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
المدير العام

avatar

ذكر
البلد :
المزاج :
المهنه :
هوايه :
رسالهsms I WANT TO GIVE
عدد الرسائل : 2340
نقاط : 8688

مُساهمةموضوع: رد: مصحــة الدكتــور أنطــوان (( قصة جديدة لدكتور أحمد خالد توفيق ))    الأحد 29 أغسطس 2010 - 20:10

مصحة دكتور أنطوان



د/ أحمد خالد توفيق




==============




(( 3 ))










قال د. مراد وهو يخرج بنا من هذا القبو الرهيب:




- "أردت أن أبدأ بالحالات الخطرة لأشد انتباهكما.. لكنكما ستقابلان الكثير من الحالات البسيطة كالعصاب والذهان غير الخطرة..".




قالت نادية:




- "بدوت لي للحظة كأنك طفل يستمتع بأن يخيف الفتيات بسحلية اصطادها!".




نظر لها في غيظ.. هذه هي الحقيقة فعلاً؛ لكنها لا تُقال.. كل هؤلاء
المحترفين لديهم نقطة ضعف صبيانية (فلْترَوْا كم نحن خطرون!). هذه موهبة
نادية الدائمة في عدم إشعار الآخرين بالراحة.




قال في برود وهو يمشي وسط الممرات:




- "فلنترك السحالي جانباً.. غرفتاكما في نهاية الممر.. هناك جهاز هاتف.. أي
شيء تريدان يمكنكما طلب رقم (5).. ليس هذا فندقاً لكن د. أنطوان أعطى
تعليمات صريحة بأن تشعرا بالراحة.. يمكن لكل منكما طلب غرفة الآخر عن طريق
رقمي 10 و11".




ونظر في ساعته:




- "الإفطار في السابعة صباحاً حتى التاسعة.. الغداء في الثانية بعد الظهر حتى الرابعة. العشاء التاسعة مساء..".




نظرت في ساعتي.. لقد فات وقت الغداء إذن.. تباً لكم!.. فقال باسماً:




- "استبقينا لكما وجبتين".




كان لغرفتي ذات الطابع العملي الكئيب المميز لاستراحات الشركات.. كل شيء
موجود.. كل شيء نظيف.. كل شيء قبيح خال من الروح. هناك مرآة كبيرة في ركن
المكان، وعلى طريقة الفنادق كان هناك مصحف وإنجيل جوار الفراش..




اتجهت للمرآة وبدأت أفكّ ربطة عنقي.. لا أعرف سبب هذا الشعور الغريب بأنني
مراقب.. لكن أين؟.. المكان لا يسمح بوجود كاميرات مراقبة ولا توجد ثقوب
مفاتيح..




مددت إصبعي إلى المرآة ولمست الزجاج؛ فلمس إصبع رجل المرآة طرف إصبعي،
كأنها لوحة مايكل أنجلو الشهيرة أو ملصق فيلم "إي تي".. لا مسافات بين
الإصبعين. شكراً لقصص الجاسوسية التي قرأتها في صباي.. هكذا اتجهت للهاتف
وطلبت رقم 10..




جاء صوت نادية المتشكك المتذمر؛ فقلت لها:




- "هل تشعرين بأنك مراقبة؟"




قالت في ضيق:




- "كنت أتوقع أن تتأخر إصابتك بالبارانويا بعض الوقت.. كل الناس يعتقدون أنهم شفافون ويشعرون بأنهم مراقبون".




- "أنا لا أمزح.. المرآة في غرفتي واضح أنها ذات وجهين.. بمعنى آخر هناك من يقف خلفها ويراقبني كأنه ينظر عبر لوح زجاج..".




- "وهذا يعني؟"




- "يعني أن هناك من يراقبنا.. ويعني أن عليك ألا تخلعي ثيابك أمام المرآة،
إذا لم ترحبي بوجود طاقم المستشفى كله خلف المرآة، يقزقز اللب ويشرب الكولا
ويتسلى برؤيتك عارية..".




- "تأخرت كثيراً.. لقد بدّلت ثيابي فعلاً؛ لكني سأضع غطاء على كل المرايا،
وآمل ألا يؤدي هذا إلى أن نقضي باقي عمرنا هنا بتهمة البارانويا..
بالمناسبة هذا الكلام لا يقال عبر الهاتف..".




- "بل أريد أن يعرفوا أننا لسنا حمقى".




وضعت السماعة ورحت أفكر في معنى هذا.. لا نملك أسراراً خطرة ولسنا مهمين؛ فلماذا يهتم أحد بمراقبتنا؟




بعد الغداء المتأخر جاءت ممرضة أخرى، وطلبت منا أن نصاحبها في جولة أخرى بالمستشفى.. إن دكتور "منصور" ينتظرنا..










د. "منصور" كان رجلاً ضخم الجثة كباب المخزن، له لحية قصيرة مدببة كلحية
التيس.. اصطحَبَنا عبر حديقة أنيقة مهندمة، إلى بناية صغيرة ذات بوابة
حديدية يحتشد خلفها ثلاثة من رجال الأمن الذين تبدو عليهم الخطورة.. قال
لنا وهو يصعد الدرج:




- "لدينا طرق قد تعتبرها غريبة أو ثورية أكثر من اللازم؛ لكنها برهنت على نجاح شديد..".




القاعة الأولى كانت مغلقة بباب حديدي؛ فدقّ الجرس مرتين وسرعان ما وجدنا
أننا في غرفة كبيرة تشبه عنابر المستشفى.. على الفراش كانت امرأة لا
أعرفها، كانت مقيّدة في وضع مصلوب؛ بحيث صارت معدومة الحيلة تماماً..
جوارها كانت ممرضة تفرغ محقناً كبيراً في وريد الساعد..




قال "منصور" وهو يبتسم:




- "هذه هي جرثومة الملاريا!".




نظرت له نادية في ذهول كأنما هي تستوثق من أنها لم تخطئ السماع، ثم سألته من جديد:




- "ملاريا؟؟؟؟؟".




- "نصيب المريض بالحمى.. هذه من طرق العلاج بالصدمة القديمة جداً.. لاحظ
الأقدمون أن المريض يتحسن بشكل ملحوظ بعد العدوى وارتفاع الحرارة، وبعد ذلك
نعالجه من الملاريا..".




الغرفة الثانية كانت ألعن.. هذه المرة هناك مريض مربوط بالكامل إلى سقالة
مهيئة؛ بحيث تنزلق لتغمره في الماء لبضع دقائق.. ثم ترتفع بعد ما تطول
الفترة وتتمزق أعصابنا.. يشهق المريض في جشع ليعب الهواء بسرعة، قبل أن
تنحدر السقالة من جديد..




هذا لا يشبه المستشفى جداً.. هذا أقرب إلى معتقل السجن الحربي، أو غرفة في
معتقل "داخاو" النازي.. المشكلة هنا أن المريض لن ينقذ نفسه بالاعتراف..
فبأي شيء يعترف؟




قال الطبيب باسماً وهو يراقب وجهينا:




- "مندهشان من أساليبنا.. أليس كذلك؟".




الغرفة الثالثة كان يتوسطها قفص عملاق من السلك الضيق الشبيه بالشبكة.. في
الداخل يقف المريض عارياً تقريباً، ثم ينفتح صندوق ما؛ فتهجم عليه أسراب من
البعوض والذباب.. العدد مهول لدرجة أنها غطته بالكامل، وهو يصرخ ويحاول
حماية وجهه وعينيه..




قالت نادية في برود ساخر:




- "العلاج بالحشرات.. لا بد أنه علاج قديم محترم".




قال الطبيب:




- "لا.. هذا من اختراعنا.. إن صدمة أن يجد المرء نفسه مغطى بالحشرات تفوق
التحمل.. هذه الصدمة كفيلة بزعزعة كل توازنه العقلي.. عندما يكون العقل
مزعزعاً فمن الوارد أن يعود لطبيعته".




- "مثلما تهزّ الساعة المعطلة لتعمل.. كان "فرانكنشتاين" يتبنى هذه النظرية".




لم يردّ الطبيب بل صاح في الممرض الشبيه بفتوات السلخانة:




- "يكفي هذا يا "سملاوي".. هلم".




ففتح "السملاوي" ثغرة صغيرة في القفص، ثم صوب خرطوماً كاسحاً من الماء يشبه
خراطيم المطافئ، ليكتسح كل ما غطى المريض من حشرات.. دعني أؤكد لك أن
اندفاع الماء كان نوعاً آخر من التعذيب..




قالت نادية هامسة لي في ضيق:




- "لا أعرف رأيك.. لكن رأيي أن هذه المصحّة ليست على ما يرام".






(( يتبع ))

_________________
مدير منتديات همس المشاعر

يا قارئ خطي لا تبكي على موتي .. فاليوم أنا معك وغدا في التراب .. فإن عشت
فإني معك وإن مت فتبقى الذكرى .. ويا مارا على قبري لا تتعجب من أمري ..
بالأمس كنت معك وغدا أنت معي .. أموت ويبقى كل ما كتبه ذكرى . فيا ليت كل
من قرأ خطي دعا لي

 

 
[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
مصحــة الدكتــور أنطــوان (( قصة جديدة لدكتور أحمد خالد توفيق ))
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتديات همس المشاعر :: القسم العام :: منتدى الحوار العام-
انتقل الى: